وکاله آریا للأنباء - الملایین من الأفغان یعتمدون على الزراعه مصدرا للغذاء والدخل (الجزیره)
أطلق الاتحاد الأوروبی ومنظمه الأغذیه والزراعه التابعه للأمم المتحده (فاو) مؤخرا مبادره بقیمه 5 ملایین یورو (نحو 5.74 ملایین دولار)، تستهدف دعم المزارعین والشرکات الزراعیه فی أفغانستان ، وربط المنتجین بالأسواق، وتعزیز قدره المجتمعات الریفیه على مواجهه الصدمات المناخیه والاقتصادیه.
تشمل المبادره الأسر الضعیفه وبینها العائدون والنازحون، مع اهتمام خاص بالنساء والشباب، کما تستهدف مناطق تعانی انعدام الأمن الغذائی والمخاطر المناخیه وضعف الفرص الاقتصادیه.
قصص مقترحه
list of 4 items list 1 of 4 رغم المصاعب التشغیلیه.. لاجئون عائدون لأفغانستان ینعشون مصانع کابل list 2 of 4 مقتل وجرح العشرات فی غارات باکستانیه شرقی أفغانستان وکابل تتوعد بالرد list 3 of 4 إغلاق طرق التصدیر یهدد محاصیل أفغانستان والتجفیف آخر الحلول list 4 of 4 للعام الخامس.. أحلام فتیات أفغانستان تتوقف عند أعتاب الصف السادس end of list تأتی هذه المبادره فی الوقت الذی تواجه فیه الزراعه الأفغانیه نقصا متزایدا فی المیاه وتداعیات الجفاف وتغیر المناخ، إضافه إلى عوده مئات الآلاف من الأفغان من إیران وباکستان، وجد کثیر منهم أنفسهم أمام تحدیات العمل والدخل والاستقرار من جدید.
وتنص المبادره على إنشاء 4 مراکز للخدمات الزراعیه تربط المزارعین ورواد الأعمال الریفیین بالخدمات المتخصصه والشرکات والأسواق، إلى جانب تشجیع استخدام ممارسات وتقنیات زراعیه محسَّنه، وإتاحه تحلیلات منظمه الأغذیه والزراعه ( الفاو ) المتعلقه بالمناخ ومعلومات الإنذار المبکر لمساعده المزارعین على اتخاذ قرارات الإنتاج والتسویق.
کما تشمل استعاده نحو ألفی هکتار من الغابات والمراعی المتدهوره، ودعم 250 مشتلا تقودها النساء والمجتمعات المحلیه، فضلا عن تقدیم منح مطابقه ومشوره فنیه وتجاریه لشرکات زراعیه وغذائیه قائمه لدیها قابلیه للتوسع.

المزارعون فی أفغانستان یواجهون تحدیات متزایده فی إداره الموارد المائیه (الجزیره) دعم المزارع والسوق معا
من جانب الفاو، لا یقتصر المشروع الأوروبی الجدید على تقدیم مدخلات زراعیه للمزارعین، وإنما یضع الوصول إلى السوق والشرکات الزراعیه فی صلب المبادره.
ویقول ممثل الفاو فی أفغانستان ریتشارد ترینشارد إن المنظمه تتجه من البرامج الإنسانیه إلى مقاربات أکثر استدامه، بعدما أظهرت شرکات القطاع الزراعی والغذائی قدره على النمو وخلق فرص العمل وربط المزارعین بالأسواق رغم صعوبه البیئه.
ویضیف أن التعاون مع الاتحاد الأوروبی یهدف إلى ربط المزارعین بالمعرفه والخدمات والأسواق التی یحتاجون إلیها، وفی الوقت نفسه مساعده الشرکات الزراعیه على الاستثمار والتوسع.
وحسب ترینشارد، فإن قدره المزارع على الإنتاج بثقه، ونمو الشرکات، ووصول المنتجات إلى الأسواق، کلها عوامل تشکل حلقات مترابطه یمکن من خلالها أن تصبح الزراعه محرکا للتعافی والصمود الاقتصادی.
أما القائم بأعمال الاتحاد الأوروبی فی أفغانستان نیکولا بیلومو فیقول إن إسهام الاتحاد فی المشروع یعکس التزامه بالأمن الغذائی والتمکین الاقتصادی للأفغان.
ویرى أن الإمکانات الزراعیه لأفغانستان ما زالت أقل من مستوى الاستفاده الممکنه منها، فی وقت یقید فیه التعرض الشدید للمخاطر المناخیه قدره القطاع على التطور.
ویشیر إلى أن الشراکه مع الفاو تستهدف تعزیز خدمات الإرشاد الزراعی، وتنمیه إمکانات نمو الشرکات الزراعیه، وتشجیع الحلول المبتکره القائمه على الطبیعه، وتحسین المعرفه والتحلیل القائم على الأدله.

تربیه المواشی تشکل أحد مصادر الدخل الرئیسیه للأسر الریفیه (الجزیره) العائدون.. مهارات تبحث عن سوق
کانت الأمم المتحده قد أطلقت -فی مایو/أیار الماضی- خطه استجابه للعائدین بقیمه 529 ملیون دولار، تستهدف 2.7 ملیون أفغانی قُدّر فی ذلک الوقت أنهم قد یعودون من إیران وباکستان، ووفق أحدث بیانات الفاو المتاحه، عاد نحو 2.65 ملیون أفغانی إلى البلاد بحلول أواخر یولیو/تموز الماضی.
وتکشف أرقام سوق العمل حجم التحدی بسبب عوده هذا العدد الکبیر من الأفغان إلى بلادهم. فقد سجلت لجنه توفیر فرص العمل للعائدین أکثر من 166 ألف فرد من أصحاب المهارات والعمال غیر المهره الذین یبحثون عن فرص عمل، بینما جرى توفیر وظائف لنحو 7 آلاف منهم حتى فبرایر/شباط 2026، مع تدریب 6141 عائدا فی المجالات الفنیه والمهنیه، وإحاله 2000 اسم إلى دوائر حکومیه، وتوفیر 772 فرصه عمل فی المدن الصناعیه بالتعاون مع القطاع الخاص.
ویرى الخبیر الاقتصادی أسد الله سادات أن العائدین لا یدخلون سوق العمل جمیعا بالمهارات نفسها، لکنَّ بینهم أشخاصا یمتلکون خبرات اکتسبوها فی سنوات من العمل فی إیران وباکستان، ویمکن الاستفاده منها إذا توفرت البیئه الاقتصادیه المناسبه.
ویشیر سادات -فی مقابله مع الجزیره نت- إلى وجود عائدین یمتلکون خبرات فی الزراعه وتربیه المواشی والبناء والحرف والصناعات الصغیره والتجاره والخدمات، وأن المشکله لا تکمن دائما فی غیاب المهاره، بل فی غیاب رأس المال الصغیر والمعدات والتدریب الفنی والوصول إلى السوق.
ویقول إن دمج هؤلاء فی الاقتصاد المحلی یحتاج إلى مسارات عملیه، تبدأ بتقییم مهاراتهم ثم توفیر التدریب الذی یتوافق مع احتیاجات السوق، إلى جانب منح صغیره أو قروض میسره تمکنهم من شراء الأدوات والمعدات وبدء نشاط اقتصادی.
وفی القطاع الزراعی، یرى سادات أن الفرص لا تقتصر على العمل فی الحقول، فهناک سلسله واسعه من الأنشطه تبدأ بالإنتاج وتربیه المواشی، وتمتد إلى التخزین والنقل والتصنیع الغذائی والتعبئه والتغلیف والتسویق والخدمات الزراعیه.
ویرى سادات أن دعم هذه الأنشطه بالمعدات والتمویل والتدریب والمساعده التسویقیه یمکن أن یضع جانبا من العائدین على الطریق لنشاط منتج.
ویوضح أن زیاده الإنتاج المحلی یمکن فی الوقت نفسه أن ترفع دخول الأسر وتخلق طلبا على عماله أخرى، وتسهم فی تقلیل الاعتماد على الواردات.

المزارعون یسعون للحفاظ على الإنتاج الزراعی رغم تحدیات الجفاف وشح المیاه (الجزیره) الزراعه تحت ضغط الجفاف
لم تأت مبادره الاتحاد الأوروبی والفاو من فراغ، فالقطاع الزراعی الأفغانی یعتمد بدرجه کبیره على الموارد المائیه المتاحه وعلى قدره المزارعین على الوصول إلى البذور والأسمده والتقنیات الحدیثه والأسواق.
وتقول الفاو إن نحو 80% من سکان أفغانستان یعتمدون على الزراعه للحصول على الغذاء والدخل، فی بلد یواجه فی الوقت ذاته أزمه غذائیه ومخاطر مناخیه متزایده.
وقال نائب وزیر الزراعه والری والثروه الحیوانیه صدر أعظم عثمانی للجزیره نت إن القطاع تأثر فی السنوات الماضیه بالحرب والکوارث الطبیعیه وتغیر المناخ، إلى جانب النقص فی بعض الجوانب الفنیه والتقنیه.
ویضع عثمانی دعم المزارعین فی مقدمه الاحتیاجات، بما یشمل توفیر البذور المحسَّنه والمعتمده، وتطویر البحوث الزراعیه، واستخدام التکنولوجیا الحدیثه، ورفع القدرات الفنیه، وتحسین إداره میاه الری.
ویربط المسؤول بین رفع الإنتاجیه وتعزیز الأمن الغذائی والإنتاج المحلی، مع ضروره تحسین وصول المنتجات الزراعیه إلى الأسواق وتوسیع فرص التصدیر.
ویضیف عثمانی أن وزاره الزراعه لدیها قدره على توفیر فرص عمل للعائدین فی مجالی الزراعه والثروه الحیوانیه، ویمکنها فی ظروف معیَّنه توفیر الموارد المالیه اللازمه لهم، مشیرا إلى أن عائدین من إیران وباکستان یمتلکون مهارات فی الزراعه وتربیه المواشی، وأن هناک أیضا فرصا فی إنتاج الدواجن والأسماک ومنتجات الألبان.
المیاه الجوفیه.. مشکله أخرى
فی الوقت الذی یبحث فیه المزارعون عن مصادر میاه إضافیه، یبرز خطر آخر یتعلق باستنزاف المیاه الجوفیه المتاحه حالیا.
وفی ولایه غزنی، حذر مهندس إداره الموارد المائیه سید یحیى سروش من أن الاستخراج المفرط وغیر الضروری للمیاه الجوفیه یمکن أن یؤدی إلى انخفاض سریع فی مخزونها.
ویقول سروش للجزیره نت إن المیاه الجوفیه تراکمت على مدى فترات طویله، وإن الإفراط فی استخدامها یجعل عودتها إلى مستویاتها السابقه فی سنوات قلیله أمرا صعبا. ویحذر من أن استمرار الوضع الحالی یمکن أن یدفع سکان بعض المناطق إلى مغادرتها بسبب فقدان مصادر المیاه.
ولا یرى سروش أن استخدام الطاقه الشمسیه لضخ المیاه یمثل حلا مستقلا للمشکله، إذ إنه مع انخفاض تکلفه تشغیل المضخات الشمسیه، یمکن أن یتزاید ضخ المیاه الجوفیه إذا لم یخضع للاستخدام المنظم والرقابه.
ویقترح سروش وضع سیاسات واضحه لإداره الموارد المائیه ومراقبه الآبار التی تعمل بالطاقه الشمسیه، حتى لا یؤدی استخدامها إلى استنزاف مصادر المیاه الطبیعیه.
أما السدود، بما فیها الصغیره، فیرى أنها یمکن أن تؤدی دورا فی الحد من السیول وتعزیز تغذیه المیاه الجوفیه بالقرب منها، لکنها لا تستطیع توفیر المیاه لجمیع الأراضی الزراعیه، ومن ثم لا یمکن الاعتماد علیها وحدها بوصفها حلا شاملا لمشکله المیاه.

محمد علی مزارع من ولایه غزنی یطالب بتوفیر البذور المحسَّنه وتوسیع مشروعات المیاه (الجزیره) المزارعون یطالبون بالمیاه والبذور
ویقول محمد علی -وهو مزارع فی مدیریه خواجه عمری بولایه غزنی- للجزیره نت إن توفیر البذور المحسَّنه وعالیه الإنتاج والأسمده المطابقه للمواصفات فی الوقت المناسب یمکن أن یقلل الخسائر المرتبطه بتغیر المناخ ویرفع الإنتاج الزراعی.
وطالب علی بمشروعات أساسیه لإداره المیاه، خصوصا بناء السدود الصغیره والسدود الترابیه، التی یمکن أن تساعد فی تخزین میاه الأمطار وذوبان الثلوج، ورفع مستوى المیاه الجوفیه، والحفاظ على الأراضی الزراعیه.
ویؤکد أن الآبار العمیقه وحدها لا تمثل حلا للمشکله، وأن إداره المیاه بأسالیب صحیحه أصبحت ضروره لاستمرار الزراعه.
وتُظهر بیانات محلیه أن غزنی من الولایات التی یعتمد سکانها بدرجه کبیره على الزراعه والثروه الحیوانیه، فی حین یقول مسؤولون فی الولایه إن مشروعات للسدود الصغیره وإداره المیاه یجری تنفیذها أو التخطیط لها، إلى جانب التوسع فی تقنیات الری بالتنقیط للحفاظ على المیاه.
محاصیل أقل استهلاکا للمیاه
لا یرى خبراء الزراعه أن التعامل مع الجفاف یقتصر على زیاده مصادر المیاه، بل یشمل أیضا تغییر بعض أنماط الزراعه واختیار المحاصیل التی تتناسب مع الظروف المناخیه الجدیده.
ویقول الأستاذ فی کلیه الزراعه بجامعه کابل حبیب الله طاهری للجزیره نت إن تغیر المناخ والجفاف ترکا آثارا سلبیه على الزراعه فی هرات ومناطق مختلفه من أفغانستان.
ویشیر إلى أن بعض المناطق شهدت أمطارا فی الموسم الحالی، لکنها لم تکن کافیه لتعویض النقص المائی المتراکم.
وفی ظل هذه الظروف، یرى طاهری أن زراعه الأشجار والمحاصیل الأقل احتیاجا إلى المیاه یمکن أن تساعد القطاع الزراعی على التکیف مع تغیر الظروف المناخیه، مشیرا إلى الفستق بوصفه من الأشجار التی تحتاج إلى کمیات أقل من المیاه مقارنه بکثیر من المحاصیل الزراعیه.
ویرى طاهری أن هذه الخیارات یمکن أن تکون مناسبه خصوصا فی المناطق الجافه وشبه الجافه، إذ أصبح نقص المیاه عاملا رئیسیا فی تحدید ما یستطیع المزارع زراعته والاستمرار فیه.
وتشیر بیانات زراعیه فی ولایه هرات غربی أفغانستان إلى توسع زراعه الفستق، إذ أقیمت نحو 2500 هکتار من البساتین فی أجزاء مختلفه من الولایه، فی حین یرى مختصون أن المحصول أصبح أکثر جذبا للمزارعین بسبب احتیاجه النسبی إلى کمیات أقل من المیاه.

نقص المیاه من أبرز التحدیات لقطاع الزراعه الأفغانی (الجزیره) خساره المحصول والدخل
وفی ولایه غور، لا یتحدث المزارعون عن تغیر المناخ بوصفه مشکله مستقبلیه، بل عن خسائر حدثت بالفعل.
ویقول عبد القاسم (42 عاما) -وهو مزارع من مدیریه دولینه بولایه غور- للجزیره نت إنه زرع فی أحد المواسم أکثر من 200 سیر (نحو 1400 کیلوغرام) من القمح والشعیر والحمص، لکن الجفاف ونقص المیاه دمرا محاصیله.
ویقول إن الأمطار التی کانت تکفی فی السابق لزراعه الأرض لم تعد موجوده بالکمیات نفسها، وإنه حتى المحاصیل القلیله التی نمت احترقت بسبب الحراره.
وبالنسبه له، لا تمثل الزراعه مجرد مهنه، بل مصدر معیشه أسرته. ومع فقدان المحصول وعدم وجود میاه للری، أصبح یواجه صعوبه فی معرفه کیفیه تأمین احتیاجات أسرته والاستمرار فی الزراعه.
ویطالب عبد القاسم الحکومه الأفغانیه والمنظمات الزراعیه بمساعده المزارعین فی الوصول إلى مصادر المیاه وتوفیر الأدوات والتقنیات الزراعیه الحدیثه حتى یتمکنوا من استعاده قدرتهم على الإنتاج.
تحدیات ضخمه فی قطاع الزراعه
ولا تزال التجربه الیومیه للمزارعین والعائدین تختصر جانبا کبیرا من التحدی. فعبد القاسم فی غور یبحث عن المیاه بعد خساره محصوله، ومحمد علی فی غزنی یطالب بالسدود الصغیره والبذور المحسَّنه، فی حین یبحث رمضان سمندری -بعد عودته من إیران إلى غور- عن عمل مستقر یستطیع من خلاله استعاده مصدر دخله.
وفی المقابل، تحاول المبادره الأوروبیه والأممیه دعم المزارعین والشرکات والأسواق فی مسار واحد، عبر الخدمات الزراعیه والمنح والاستثمار واستصلاح الأراضی وربط المنتجین بالشرکات والأسواق.
ولا تحدد المبادره رقما إجمالیا للوظائف التی ستوفرها، لکنها تستهدف توسیع نشاط الشرکات الزراعیه والغذائیه، وزیاده شراء المنتجات المحلیه، وتطویر خدمات التصنیع والخدمات المرتبطه بالقطاع، بما یمکن أن یخلق فرص عمل فی المناطق الریفیه.
ومع استمرار عوده الأفغان، وتزاید الحاجه إلى مصادر دخل وفرص عمل، تبقى قدره القطاع الزراعی مرتبطه بقدره المزارعین على الوصول إلى المیاه والمدخلات الزراعیه، وقدره الشرکات على التصنیع والتسویق، وقدره السوق على استیعاب الإنتاج والعماله الجدیده.
المصدر: الجزیره