وکاله آریا للأنباء - قیمه الریال الیمنی تآکلت مع الارتفاع المستمر فی الأسعار (أسوشیتد برس)
بعد 32 عاما فی الوظیفه الحکومیه، لا یقیس فؤاد حسن الجرو بدل غلاء المعیشه الذی أقرته الحکومه بنسبه 20% بحجم النسبه المعلنه، بل بما ستضیفه فعلیا إلى راتب لم یعد، کما یقول، یکفی احتیاجات أسرته الأساسیه حتى نهایه الشهر.
ویعمل الجرو مدیرا لإداره التغذیه المدرسیه بمکتب التربیه والتعلیم فی العاصمه المؤقته عدن (جنوبی الیمن ) ویتقاضى 122 ألف ریال شهریا، أی نحو 77 دولارا، بینما یقدّر أن أسرته تنفق فی الحد الأدنى نحو 160 ألف ریال على الغذاء وحده، قبل الإیجار والمواصلات وبقیه متطلبات الحیاه.
قصص مقترحه
list of 4 items list 1 of 4 الفارون من الساحل الغربی إلى مأرب.. رحله لجوء جدیده إلى مخیمات مثقله بالنازحین list 2 of 4 جبهه الصبیحه.. هل اقتربت الحرب من عدن؟ list 3 of 4 الحرب بعیون نساء یمنیات.. "المحطه" یفتتح مهرجان الدوحه السینمائی list 4 of 4 أسوشیتد برس: هذه تفاصیل دور الحرس الثوری فی التقدم المفاجئ للحوثیین بالیمن end of list ویساعد المواطن فی سد جزء من هذه الفجوه أن زوجته موظفه حکومیه أیضا، فیتشارکان فی تدبیر احتیاجات الأسره، لکنه یقول للجزیره نت إن کثیرا من زملائه تعتمد أسرهم على راتب واحد، لذلک لا یرى فی زیاده 20% للراتب أکثر من مبلغ محدود "یلتهمه الغلاء المستمر " قبل أن یترک أثرا ملموسا فی معیشه الأسره.
وتختصر حاله الجرو جانبا من الجدل الذی رافق قرار الحکومه المعترف بها دولیا منح موظفی الدوله بدل غلاء معیشه، بعد سنوات من تآکل قیمه الأجور. فالسؤال لم یعد عن نسبه 20% بحد ذاتها، بل عن قیمتها الفعلیه حین تصل إلى الموظف: کم تضیف إلى راتبه، وکم من احتیاجات أسرته تستطیع تغطیتها؟

بدل غلاء المعیشه لا یعالج الفجوه بین الراتب وکلفه الاحتیاجات الأساسیه (الجزیره) "زیاده على الورق"
فی 19 مایو/أیار الماضی، أقر مجلس الوزراء بدل غلاء معیشه بنسبه 20% لکافه موظفی الدوله، وقال إن الخطوه تستهدف التخفیف من الأعباء المعیشیه وتعزیز القدره الشرائیه، بالتوازی مع معالجه التسویات الوظیفیه وصرف العلاوات السنویه. وفی الاجتماع نفسه، أقر تحریر سعر الدولار الجمرکی ضمن حزمه من الإجراءات الاقتصادیه.
وبعد أکثر من شهر، انتقل القرار إلى مرحله التنفیذ، إذ وقّع وزیرا الخدمه المدنیه والمالیه تعمیما لبدء صرف الزیاده لموظفی وحدات الخدمه العامه، مع مطالبه الجهات الحکومیه باستکمال الکشوفات والإجراءات اللازمه.
لکن نسبه 20% لا تعنی حصول الموظف على خمس إجمالی ما یتقاضاه شهریا، ففی فتوى أصدرتها وزاره الخدمه المدنیه لمنتسبی جامعه عدن فی 17 سبتمبر/أیلول الجاری، تم احتساب بدل غلاء المعیشه بنسبه 20% من بدایه الراتب الأساسی للدرجه الوظیفیه، مع خضوعه للاستقطاعات القانونیه.
وهنا تظهر الفجوه بین النسبه المعلنه والمبلغ الذی سیصل فعلیا إلى الموظف. ویقول أبو بکر سالم علی مستشار مدیر مکتب التربیه والتعلیم فی عدن -للجزیره نت- إن الراتب الأساسی لموظف بدرجه مدیر عام لا یتجاوز -وفق حساباته- نحو 70 ألف ریال (نحو 44 دولارا) مما یجعل قیمه البدل بعد الاستقطاعات فی حدود 10 آلاف ریال تقریبا (نحو 6 دولارات) وقد تنخفض إلى نحو 5 آلاف ریال (نحو 3 دولارات) لدى الدرجات الأدنى.
ویصف المبلغ بأنه "زهید لا یکاد یُذکر " أمام کلفه المعیشه، معتبرا أن المشکله أعمق من علاوه محدوده، لأن الراتب الأساسی نفسه لم یعد یغطی الحد الأدنى من احتیاجات الموظف وأسرته.
وتعکس تجربه افتهان عبد الله الصوره نفسها، فهی صیدلانیه تعمل فی مکتب الصحه بعدن منذ عام 2011، ولا یتجاوز راتبها 77 ألف ریال شهریا (نحو 49 دولارا).

التربیه والتعلیم من أکبر قطاعات الوظیفه العامه بالیمن (الجزیره) "زیاده أقرب إلى الوهم"
تقول افتهان للجزیره نت "أرى أن الحدیث عن زیاده بنسبه 20% یبدو کبیرا کنسبه على الورق، لکنه لا یغیر شیئا ملموسا فی حیاه الموظف أمام کلفه المعیشه الحالیه".
وتضیف "هذه الزیاده أقرب إلى الوهم لأن المشکله لم تعد فی إضافه مبلغ محدود إلى الراتب، بل فی أن الراتب نفسه فقد قدرته على تغطیه أبسط الاحتیاجات".
ووفق مبادره للتتبع الاقتصادی أطلقتها جهات دولیه منها المجلس النرویجی للاجئین لتتبع التحولات الاقتصادیه فی الیمن، بلغت قیمه سله الغذاء فی مناطق تداول العمله الجدیده -ومنها عدن- نحو 130 ألفا و366 ریالا فی أحدث قراءه منشوره حتى أغسطس/آب الماضی.
وبذلک یصبح راتب الجرو، بعد 32 عاما من الخدمه، أقل من قیمه سله الغذاء وحدها، قبل الإیجار والماء والکهرباء والعلاج والمواصلات، بینما لا یصل راتب افتهان إلى ثلثی قیمه السله.
وتتسع الصوره خارج الوظیفه العامه أیضا، إذ قدّر برنامج الأغذیه العالمی أن نحو 5 ملایین شخص، یمثلون 47% من سکان المناطق الخاضعه لسیطره الحکومه، یواجهون مستویات مرتفعه من انعدام الأمن الغذائی الحاد، مع توقع ارتفاع العدد إلى 5.4 ملایین شخص، أو 51%، خلال الفتره بین یونیو/حزیران وسبتمبر/أیلول 2026.
وهکذا، لا تبدو أزمه موظف الحکومه منفصله عن محیطها الاقتصادی، فوجود السلع فی الأسواق لا یعنی القدره على شرائها حین یکون دخل الأسره أدنى من کلفه أساسیاتها.
سنوات من تآکل العمله
یرى رئیس مرکز الدراسات والإعلام الاقتصادی مصطفى نصر أن تقییم الزیاده یبدأ من مقارنتها بما فقده الراتب خلال السنوات الماضیه.
ویقول للجزیره نت إن زیاده 20% فی الراتب "طفیفه مقارنه بحجم التآکل الذی حدث فی قیمه الریال والقیمه الحقیقیه للمرتبات" مشیرا إلى أن الأجور فقدت جزءا کبیرا من قوتها الشرائیه.
وفی الوقت ذاته انکمش اقتصاد الیمن، وفق ما قاله البنک الدولی ، بنسبه 1.5% خلال عام 2025، فی ظل استمرار توقف صادرات النفط وضعف الإیرادات والتمویل الخارجی.
ورغم محدودیه الزیاده، لا یتوقع نصر أن تؤدی بذاتها إلى موجه تضخمیه جدیده أو مزید من تدهور العمله، موضحا أن حجم المبالغ الإضافیه لیس کبیرا بالقدر الذی یحدث، فی تقدیره، ضغطا واسعا على الأسعار أو سعر الصرف .
لکنه یلفت إلى توقیت القرار، إذ جاء بدل غلاء المعیشه ضمن الحزمه نفسها التی تضمنت تحریر سعر الدولار الجمرکی. ویرى أن الزیاده جاءت أیضا فی سیاق تقلیل المخاوف من رفض شعبی للإجراء، وهی قراءه یقدمها نصر لدوافع القرار، فی حین تقول الحکومه إن البدل یستهدف تخفیف الأعباء وتعزیز القدره الشرائیه.
ویرى مستشار مدیر مکتب التربیه والتعلیم أن معالجه المشکله تحتاج إلى ما هو أبعد من بدل مؤقت، داعیا إلى إعاده بناء هیکل الأجور بما یتناسب مع الأسعار والاحتیاجات المعیشیه.
ویتساءل "کیف یمکن أن نطلب من الموظف أن یبدع ویقدم أفضل ما لدیه، ونحن لم نوفر له حتى الحد الأدنى من العیش الکریم؟".

أبو بکر سالم علی یرى أن بدل غلاء المعیشه المقرر لا یعالج تدنی الرواتب أمام ارتفاع کلفه الحیاه (الجزیره) من أین یأتی التمویل؟
لا یقتصر اختبار الزیاده على مقدارها، بل یمتد إلى قدره الحکومه على تمویلها بصوره منتظمه فحسب البنک الدولی، تراجعت إیرادات الحکومه إلى نحو 5.6% من الناتج المحلی الإجمالی خلال عام 2025، فی ظل انخفاض المنح واستمرار توقف صادرات النفط، وهو ما انعکس على الرواتب والخدمات والإنفاق الأساسی.
ویتوقع صندوق النقد انکماش الناتج المحلی الإجمالی الیمنی بنسبه 1.5% خلال عام 2026، لیسجل الاقتصاد تراجعا للعام الخامس على التوالی، بسبب تدهور معدلات التبادل التجاری الناجم عن الحرب فی الشرق الأوسط ، ونقص الطاقه، وضعف الطلب.
وهنا یربط نصر استدامه الرواتب والزیاده باستکمال إصلاحات أوسع، وفی مقدمتها تنظیم الحسابات الحکومیه والجانب المالی، ویقول "نأمل استکمال الإصلاحات الأخرى المرتبطه بترتیب أمور الحسابات فی حساب واحد للحکومه، وتنظیم الجانب المالی لدیها، بحیث تستطیع الاستمرار فی تسلیم المرتبات".
وتکتسب مسأله الاستدامه أهمیه إضافیه مع تأخر استکمال إجراءات البدل فی بعض الجهات، ففی 17 سبتمبر/أیلول أعلنت جامعه عدن استکمال فتوى بدل غلاء المعیشه لمنتسبیها، بعد مراجعه بیاناتهم الوظیفیه والمالیه.
مشکله مختلفه بمناطق أخرى
وبینما یناقش موظفو مناطق الحکومه مقدار الزیاده وجدواها، یواجه موظفون فی مناطق سیطره الحوثیین ، على الضفه الأخرى، مشکله مختلفه تتعلق بانتظام وصول الراتب نفسه.
ففی أغسطس/آب الماضی، أعلنت سلطات صنعاء إصدار التعزیزات الخاصه بمستحقات مایو/أیار 2026 لموظفی وحدات الخدمه العامه، ضمن ما تسمیه "الآلیه الاستثنائیه" للرواتب، بما یعکس فجوه زمنیه بین شهر الاستحقاق والصرف.
وکانت الجزیره نت نقلت فی فبرایر/شباط عن موظف حکومی فی ذمار أن ما یتقاضاه لا یتجاوز نصف راتب یُصرف بصوره متقطعه کل 3 أشهر.
وهکذا تختلف صوره الأزمه بین جانبی الانقسام الیمنی: دخل یتأخر أو یتقطع فی مناطق، وراتب یصل فی مناطق أخرى لکنه فقد جانبا کبیرا من قدرته الشرائیه.
وبالنسبه إلى الجرو، لا یحتاج الحکم على بدل غلاء المعیشه إلى کثیر من المؤشرات الاقتصادیه، فالاختبار یبدأ حین یدخل الراتب إلى البیت ویُوزع على الطعام والإیجار والمواصلات وبقیه النفقات.
وقد تمنح الزیاده الموظف بضعه آلاف من الریالات الإضافیه، لکنها تدخل إلى سوق سبقتها الأسعار إلیه بسنوات. ولهذا یبقى السؤال الذی بدأ به الموظفون حساباتهم منذ إعلان القرار: کم سیصل فعلا إلى جیب الموظف، وکم یوما یستطیع أن یصمد قبل أن یلتهمه الغلاء؟
المصدر: الجزیره