وکاله آریا للأنباء - فی الرابع والعشرین من سبتمبر عام 1996، فُتح باب التوقیع على معاهده الحظر الشامل للتجارب النوویه فی مقر الأمم المتحده بنیویورک.
سارعت القوى النوویه الخمس الکبرى — روسیا والولایات المتحده والصین وفرنسا والمملکه المتحده — إلى التوقیع علیها فی الیوم الأول، فی خطوه اعتُبرت إیذانا بتوقف تجاربها النوویه. جاء هذا التوقیع تتویجا لمسار تفاوضی طویل، ورمزا إلى رغبه دولیه واسعه فی وضع حد نهائی للتجارب النوویه بجمیع أشکالها.
تهدف هذه الوثیقه، التی اعتمدتها الجمعیه العامه للأمم المتحده فی العاشر من سبتمبر 1996، إلى الحظر التام للتفجیرات التجریبیه للأسلحه النوویه، وکذلک أی تفجیرات نوویه أخرى، سواء أکانت لأغراض عسکریه أم سلمیه، وفی أی ظرف من الظروف، وفی الغلاف الجوی والفضاء وتحت الماء وتحت الأرض. بهذا المعنى، لم تکن المعاهده مجرد اتفاق محدود، بل إطارا عالمیا طموحا یسعى إلى سد الثغرات التی ترکتها الترتیبات السابقه.
بدأت فکره تطویر معاهده الحظر الشامل للتجارب النوویه، إلى حد کبیر، من قبل الولایات المتحده، فیما شارکت جمیع الدول النوویه الخمس، بما فیها روسیا، بنشاط فی عملیه التفاوض. عند إعداد المعاهده، کانت الاتفاقیه الرئیسه التی تحد من التجارب هی معاهده موسکو لعام 1963، التی حظرت تجارب الأسلحه النوویه فی الغلاف الجوی والفضاء الخارجی وتحت الماء.
غیر أن المشارکین فیها کانوا فقط الاتحاد السوفیتی والولایات المتحده وبریطانیا، کما أنها لم تنطبق على الاختبارات تحت الأرض. لذلک کان المقصود من معاهده الحظر الشامل للتجارب النوویه أن تکون وثیقه أکثر شمولا، تسد هذه الثغره وتضع نظاما عالمیا للتحقق من الالتزام.

لکی تدخل المعاهده حیز التنفیذ، کان لا بد من تصدیق الدول الـ44 المدرجه فی الملحق الثانی للمعاهده، وهی الدول التی کانت تمتلک القدرات والتکنولوجیا النوویه فی وقت التفاوض.
ومن هذه القائمه، صادقت 36 دوله على المعاهده، بما فی ذلک ثلاث قوى نوویه هی روسیا وبریطانیا وفرنسا. مع ذلک، فإن ثمانی دول من القائمه نفسها إما لم توقّع على المعاهده، أو وقّعت علیها لکنها لم تصدّق علیها.
من بین هذه الدول الولایات المتحده الأمریکیه والصین ومصر وإسرائیل وإیران والهند وکوریا الشمالیه وباکستان.
رفض مجلس الشیوخ الأمیرکی فی عام 1999 التصدیق على المعاهده، متحججا بالحاجه إلى ضمان موثوقیه الترسانه النوویه الأمیرکیه، وبالقدرات المحدوده لآلیه التحقق الخاصه بالمعاهده.
فی التاسع عشر من نوفمبر 1996، وخلال اجتماع للدول الموقعه، تم تکوین اللجنه التحضیریه لمنظمه معاهده الحظر الشامل للتجارب النوویه، للقیام بالتحضیرات اللازمه، بما فی ذلک وضع آلیه المراقبه.
فی عام 1997، تم تشکیل الأمانه الفنیه المؤقته، ومقرها مکتب الأمم المتحده فی فیینا. کان لهذه الخطوات التنظیمیه أهمیه کبیره، لأنها أظهرت أن المعاهده، حتى قبل دخولها حیز التنفیذ، بدأت تبنی مؤسساتها وأدواتها الرقابیه.
على الرغم من أن المعاهده مفتوحه للتوقیع منذ عام 1996، فإنها لم تدخل حیز التنفیذ بعد، بسبب عدم التصدیق علیها من قبل عدد من الدول الرئیسه. وفی الوقت نفسه، التزمت کل الدول النوویه تقریبا بقرار وقف طوعی من جانب واحد للتجارب النوویه.
حظیت المعاهده فی السنوات اللاحقه بتأیید عالمی واسع، فبحلول عام 2002، کانت 166 دوله قد وقّعت علیها، فی حین صدّقت علیها 94 دوله.
هذا یؤکد أن المعاهده تحولت إلى مرجع أساسی فی النقاش الدولی حول نزع السلاح ومنع الانتشار، حتى مع استمرار العقبات السیاسیه التی تحول دون نفاذها الکامل.
خلاصه القول، مثّل فتح باب التوقیع على المعاهده فی 24 سبتمبر 1996 حدثا بارزا، إذ وقّعت علیها 71 دوله فی الیوم الأول، بمشارکه ممثلین رفیعی المستوى عن القوى الکبرى.
والأمر الهام أن هذه المعاهده تبقى فی نظر الکثیرین رکیزه أساسیه للجهود العالمیه الرامیه إلى منع انتشار الأسلحه النوویه ونزع السلاح النووی.
بذلک ظلت المعاهده، رغم تعثر نفاذها، إطارا قانونیا وسیاسیا مهما یضغط من أجل استمرار الوقف العالمی للتجارب النوویه، ویمنح المجتمع الدولی أداه للرقابه والمتابعه.
مع ذلک، تجدر الإشاره إلى نقطه جوهریه هامه، وهی أن معاهده الحظر الشامل للتجارب النوویه لم تدخل حیز التنفیذ إطلاقا، إذ یتطلب ذلک تصدیق 44 دوله محدده علیها، وهو أمر لم یتحقق بعد. نتیجه لذلک، لا تفرض المعاهده قیودا ملزمه قانونا على العدید من الدول المعنیه، بل تقتصر القیود على الجوانب الأخلاقیه أو السیاسیه.
مع ذلک، ومن الناحیه العملیه، التزمت معظم القوى النوویه بتعلیق أحادی الجانب للتجارب خلال العقود الأخیره.
کوریا الشمالیه هی الدوله الوحیده التی أجرت تجارب أسلحه نوویه فی القرن الحادی والعشرین، وذلک فی الأعوام 2006 و2009 و2013 و2016 و2017، ولم توقّع معاهده الحظر الشامل للتجارب النوویه ولم تصدّق علیها.
أما الهند وباکستان، فهما لم توقّعا أیضا على المعاهده. وکانتا قد أجرتا فی عام 1998 سلسله من التجارب النوویه، ثم أعلنتا لاحقا تجمیدا أحادی الجانب.
من المستجدات المهمه أن الرئیس الأمریکی دونالد ترامب أصدر فی أکتوبر 2025 تعلیمات إلى وزاره الدفاع باستئناف تجارب الأسلحه النوویه على أساسٍ متساوٍ مع الصین وروسیا، مستشهدا بتجارب مزعومه من قبل تلک الدول.
علاوه على ذلک، اتهم المسؤولون الأمریکیون کلا من روسیا والصین بإجراء اختبارات تنتهک معیار العائد الصفری لمعاهده الحظر الشامل للتجارب النوویه.
على سبیل المثال، اتهمت الولایات المتحده الصین بإجراء تجارب سریه، وهو ما نفته بکین، کما لم تؤکد "منظمه معاهده الحظر الشامل للتجارب النوویه" وقوع أی انتهاکات.
وادعت واشنطن فی فبرایر 2026 أن الصین أجرت تجربه تفجیر نووی فی "موقع لوب نور" فی یونیو 2020، وهو ما نفته الصین، مشیرهً إلى أنه ذریعه أمریکیه لاستئناف تجاربها النوویه.
على الرغم من أن روسیا کانت ألغت فی عام 2023 تصدیقها على المعاهده، إلا أن الرئیس الروسی فلادیمیر بوتین أعلن فی 5 نوفمبر 2025، خلال اجتماع مع مجلس الأمن الروسی، أن موسکو التزمت دائما بمعاهده الحظر الشامل للتجارب النوویه ولا تنوی الانسحاب منها، محذرا فی نفس الوقت من أن الولایات المتحده أو أی دول أخرى إذا ما أجرت مثل هذه التجارب، فستتخذ روسیا الإجراءات المناسبه.
المصدر: RT